الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع

مقالات

رسائل فى الوعي: من التّاريخ دروس وعبر.. "الخِيَانَة"

رسائل في الوعي

رسائل فى الوعي
الرسالة السابعة
من التّاريخ دروس وعبر.. "الخِيَانَة" (1-3)


نتوقّف في هذا المقال - في ثلاثة أجزاء- عند ظاهرة الخيانة في تاريخ العرب والمسلمين. فالتّاريخ -عَادَةً- لا يُحابِي أَحداً، إذ يوثِّق الأحداث البطوليّة ويسَرْد سِيَر الأبطال، كما يوثِّق الهزائم والخيانات.
سجَّل تاريخ العرب والمسلمين أحداثاً جساماً من خِيَانَة بعض سلاطين المسلمين أمّتهم وبلادهم ومقدساتهم، بما في ذلك القدس نفسها قبلة المسلمين الأولى، وثالث الحرمين الشّريفين.
تمثّلت - تلك الخيانات- حين قام هؤلاء الخونة بتسليم الأعداء مدناً إسلاميّةً كاملةً، أو الاصطفاف مع العدوّ والقتال معه ضدّ دولهم وأبناء أمّتهم الإسلاميّة، في إطار صراع سياسيّ على السّلطة والثّروة بين هؤلاء الحكّام الفاسدين والمسؤولين الطّامعين.
وهم الّذين تتكرّر اليوم صراعاتهم تحت مسميّات وأوصاف شتّى، ومبرّرات مختلفة، ومُسوِّغاتٍ تَافِهَة، وهم الّذين تحدّث عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى:
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ. -المائدة (52)
وسنتحدّث في الجزء الأوّل من المقال عن بعض خيانات السّلاطين أو الأمراء أو القادة في فترة الحروب الصَّلِيبِيَّةِ (1096- 1291م)، وفترة الغَزْوُ المَغُوليِّ (1206-1400)، والملاحظ أنّ الخيانات -الّتي تنبع من الأنانيّة والفرديّة وحظوظ الدّنيا حيث النّفوس خاوية من الإيمان- تحدث في فترة ضَعف الدّولة الإسلاميّة وضعف مراكزها الحَضَرِيّة.
إِنَّ هَذِهِ النّفوس الضّعيفة عندما يكون صاحبها حاكماً على إمارةٍ، أو أميراً، أو قائداً فإنّه يكون أحرص ما يكون على التّمسك بمنصبه بِأَيِّ ثَمَنٍ حتّى ولو بَاعَ دينه وقيمه أو خانَ أُمَّتَه.
إنّ الأنانِيَّة والخيانة تأتيان عندما يَكُون المسؤول السّياسيّ أو القائد العسكريّ مُسْتعَدّاً للتّنَازَل عن كلّ شيء مقابل "الكرسيّ أو المال"، مبرراً ومسوغاً لنفسه التّعاون والتّحالف مع أعداء الأمّة.
وشواهد التّاريخ على ذلك كثيرة ومتكرّرة في نَسَقٍ واحد وكَأَنَّ التّاريخ يعيد نفسه.
فقد شَهِدَ الشّرق الإسلاميّ، ولا سيّما مصر وبلاد الشّام ظاهرة "خيانة عظمى" للأمّة والأوْطَان خلال الحروب الصّليبيّة الّتي استمرّت على مدى 200 عام.
هذه الفترة القاتمة في تاريخ المسلمين لم تشهد فقط وطأة الغزو الخارجيّ، وإنّما كانت شاهداً على العديد من الخيانات الّتى أَدَّتْ إلى سقوطِ بعض المناطق والمدن الإسلاميّة ذَاتِ الأهَمِّيَّة الكبيرة في يَدِ العَدُوِّ الصَّلِيبِيّ.
فهذا حاكم دمشق الصّالح إسماعيل بن نور الدّين محمود يطلب المعونة من الصّليبيّين ضدّ نجم الدّين أيّوب (حاكم مصر)،ذلك مقابل أن يعطيهم قلعتي صيدا والشّقيف، وأن يسمح لهم بدخول دمشق، وشراء السّلاح منها متى أرادوا.
. أمّا "أنطاكية" فقد سقطت بالخيانة، وبعد حصار فرضه الصَّلِيبِيّون على المدينة ما يقارب تسعة أشهر، استعصى على الصّليبيّين دخولها، ولكنّ أحد القادة الّذي ائتمنه الأمير السّلجوقيّ "ياغي سيان" على أحد القلاع المطلّة على المدينة قام بتسليمها للصّليبيّين مقابل مبلغ من المال، وهكذا يتكرّر مشهد الخيانة .
وفي مشهد آخر من أشهر مشاهد الخيانة الّذي كاد يمكّن الصّليبيّين من مصر ما قام به ( الوزير شاور) من الاستعانة بالصّليبيّين،
فى صراع داخليّ فى أواخر الّدولة الفاطميّة، ووجدها الصّليبيّون فرصة مُثلى لاحتلال مصر ودخلوها، وعاثوا فيها فساداً، لولا أن قيّض الله "نور الدّين زنكي"، حين أرسل القائدين "أسد الدّين شريكوه" و"صلاح الدّين الأيّوبيّ"، وتمكنا من طرد الصّليبييّن من مصر.
أمّا الكارثة العظمى الّتي حلّت بالمسلمين فكانت حين سقطت بغداد على يد "هولاكو السّفاح" عام (656هـ-1258م)، حيث دمّر حاضرة العلوم والمعارف، وسالت الدّماء أنهراً، فاختلط الحبر الأزرق مع الدّم الأحمر القاني، فقارب عدد القتلى مليون نفس في واحدة من أعظم مصائب المسلمين عبر التّاريخ الإسلاميّ.
ولم تكن المدينة لتسقط لولا خيانات عديدة أدّت إلى اجتياح المغول، وأبرزها خيانة أمير الموصل "بدر الدّين لؤلؤ" الّذي أمدّ هولاكو بالجند والسّلاح لحصار بغداد، والوزير مؤيّد الدّين بن العلقميّ (وزير الخليفة) الشّيعيّ الّذي أجمع المؤرخون أنّه راسل "هولاكو" وأَغْراه بغزوِ بغداد، لينال بذلك كلّ من "لؤلؤ" و "العلقميّ" أرفع أوسمة الخيانة مع ذلّ وخزيّ طوال التّاريخ.
وبما أنّ بغداد سقطت بالخيانة فإنّ دمشق سقطت أيضاً في العام التّالي؛ حين زيّن الوزير "زين الدّين الحافظيّ" لحاكم دمشق تسليم المدينة للمغول دون قِتال - كان الحافظيّ يعتقد أنّ قِتال المغول سيكون دون جدوى- فسُلمت المدينة للمغول دون مقاومة.

وفيما يوضّح التّاريخ خيانة هؤلاء، فهو يشير لما لاقَوه من جزاء يشملهم وعائلاتهم وأوطانهم الّتي اؤتمنوا عليها.
عاش "العلقميّ" ذليلاً مهاناً بعد سقوط بغداد، أمّا الوزير الدّمشقيّ فكانت نهايته القَتل وعائلاته وأقاربه الّذين كانوا نحو خمسين فرداً على يد هولاكو.
إنّ ما يقوم به خونة الأمّة اليوم، هو إضافة رصيد جديد في تاريخ الخيانة، فالتّاريخ يُدوّن عن الأبطال الشّجعان، وكذلك الخونة الّذين باعوا أوطانهم، فالتّاريخ لا يرحم، والأعداء يجازون الخونة بتعليق أوسمة الإذلال والمهانة.


الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع © 2020